شروط إمكان انبثاق الفرد في مجتمع تقليدي في طور التحول

 

     خص الأستاذ محمد سبيلا "ملتقى الفكر" بهذا المقال القيم حول انبثاق الفرد في مجتمع قيد التحول. والمقال هو نص المداخلة التي شارك بها المفكر المغربي في ندوة حول "الإسلام والحرية" نظمت في مدينة بون الألمانية خلال يومي 9 و 10 أكتوبر 2006 ، وقد شارك فيها ثلة من المفكرين الغربيين والعرب، من هؤلاء شارك كل من د.جلال العظم ود.سعد الدين ابراهيم.

        يرى الأنتروبولوجيين أن ما يميز المجتمع التقليدي هو صلابة بنياته وقوة مؤسساته بحيث يبدو وكأن الفرد ليس فقط خاضعا للمجتمع خضوعا كليا، بل يبدو وكأن الفرد غير موجود، أو على الأقل فإن وجوده وفعاليته لا يتعدى كونه جسما هو بمثابة شاشة استقبال وتمثل لمفاعيل التقاليد والأعراف والتصورات والمثل التي يفرضها المجتمع.
وقد ميزت الأنتروبولوجيا الاجتماعية بين المجتمعات التقليدية التي يسودها نظام قوي من التمثلات الجماعية التي هي بمثابة كل (holon
في الإغريقية) والتي يطلقون عليها لفظ المجتمعات الحلولية أو الصاهرة (Holiste ) حيث يكون الكل الاجتماعي شيئا آخر غير الأجزاء المكونة له وأنه أسبق وأقوى من الفرد. بل إن الفرد في هذه المجتمعات لا يستمد مكانته وموقعه وقيمته إلا من خلال المجموعة أو الفئة أو الطائفة التي ينتمي إليها. المثال الكلاسيكي لهذا النمط من المجتمعات هو المجتمع الهندي كما درسه الأنتروبولوجي Louis Dumont في كتابه "الإنسان التراتبي" Homo Hierarchicus (1966) .

        ومقابل ذلك تتحدث الأنتروبولوجيا الاجتماعية عن المجتمعات الحديثة من حيث هي مجتمعات فردانية، مجتمعات تتخذ فيها الفردانية قيمة أساسية محددة، ويكون فيها الفرد نواة النظام الاجتماعي، وكيانا يتمتع بقدر من الاستقلالية وبعدد من الحقوق والحريات التي تشكل أساس هذه الاستقلالية.
يتسم المجتمع العربي بنوع من العطالة Inertie
والتثاقل في التطور بسبب قوة وضغط التقليد Tradition قوة التقليد هي تعبير عن فعالية مجموعة من الآليات الموضوعية التي تكبل الفرد وتعوق انعتاقه وتشل فعاليته.

        أميز في هذه الآليات الموضوعية بين مستويين: مستوى الآليات السوسيولوجية القوية المتحكمة في الأفراد، والتي تعود في جزء كبير منها إلى البنيات الاجتماعية العتيقة، في مجتمعات بطيئة التطور، والآليات الثقافية الموضوعية المؤطرة للوعي الجماعي والوعي الفردي، والتي تقوم بدورها بسمنتة البنيات التقليدية وتزويدها بطاقة مقاومة عوامل التغير. وهاتان الآليتان متفاعلتان ومندغمتان باستمرار حيث تسند كل منهما الأخرى في اتجاه إعاقة إمكانات الانبثاق التلقائي للفرد ككيان حر ومستقل وفاعل.
ولاشك أن انخراط مجتمع من المجتمعات في سيرورة الحداثة والتحديث لا يقوم فقط في استعماله للآلات التقنية وفي اقتباسه لبعض مظاهر الحداثة السياسية، بل في توافر دينامية داخلية عميقة تتمثل في اعتمال البنيات الاجتماعية والثقافية لتيسير عملية انبثاق الفرد الحر الفاعل. وانتفاء أو تباطؤ هذا الشرط يجعل عملية "التحديث" تفتقد أساسها الاجتماعي العميق ويجعلها مجرد تحول سطحي قابل للارتداد.

        ولعل التعثر البين لعملية انبثاق الفرد الحر الفاعل في المجتمعات العربية هو من جهة مؤشر لتباطؤ وتثاقل عملية التحديث، ولكنه أيضا مؤشر على قوة آليات التقليد.
البنيات الاجتماعية التقليدية المؤطرة للفرد في مجتمع تقليدي في طور التحول هي بنيات القرابة وما يرتبط بها من علاقات وأدوار ومواقع (التراتب والخضوع) وتميزات (الرجال/النساء)، والبنيات الأثنية القائمة على تصنيفات عرقية-ثقافية (الشريف، العامي)، والبنيات القبلية بتصنيفاتها ومواقعها من الثروة والقوة والنفوذ، والبنيات السياسية التقليدية وما يرتبط بها من علاقات الإخضاع والخضوع والتراتب والولاء وكذا البنيات الدينية وتصنيفاتها: المقدس/المدنس، أضف إلى ذلك قوة ورسوخ العادات والتقاليد والطقوس المختلفة المرتبطة بكل من هذه المستويات الاجتماعية.
تمارس هذه البنيات دور امتصاص وتكييف ومقاومة تجاه عوامل التغير وسيرورات التحديث الناتجة عن الانخراط القسري للمجتمع التقليدي في سيرورة الحداثة إما بفعل الاستعمار أو بفعل العولمة أو نتيجة الاندماج الحتمي في السوق الرأسمالي العالمي المتوسع باستمرار. فالقوى والآليات التقليدية لا تستسلم كليا لهذه التأثيرات والديناميات الكاسحة بل تكيف مقاوماتها لها إما في اتجاه الترويض والتدجين أو في اتجاه تحويلها إلى نقيض أهدافها لأنها تعيش هذه التأثيرات كمداهمة و"عدوان".
تعيش هذه المجتمعات حالة توتر وتمزق بين ديناميتين موضوعيتين كبيرتين تتجاذبان وتخترقان كافة مستوياتها وقطاعاتها: الجاذبية التثاقلية للتقليد والجاذبية الإغرائية للتحديث الذي يتماثل دوما كقوة سيطرة واستلحاق وسلب للمقومات الذاتية.

        لكن قوة تأثير الآليات السوسيولوجية يتضاعف مفعولا تحت تأثير آليات الثقافة التقليدية. ذلك أن الثقافة التقليدية المعبرة عن رؤى ورمزيات الماضي تتخذ شكل ثقافة دفاع مقاومة لمداهمات الحداثة المعاشة كعدوان، كما تتخذ صورة معبر عن الوعي التقليد ومؤطر له.
إذا كانت هذه المجتمعات تعيش صراعا على المستوى السوسيولوجي بين آليات التحديث وآليات التقلدة، فإنها تعيش هذا الصراع كذلك على مستوى الثقافة والوعي بين ثقافة التحديث Modernisation
وثقافة التقلدة Traditionalisation ولعل ما يهمنا هنا أكثر هو رصد بعض معالم الثقافة التقليدية التي تسهم في الإخضاع الكامل للفرد للجماعة وترويضه واختزاله من أجلها. وإذا كانت المؤشرات السوسيولوجية لها مفعولها المباشر فإنها تتبلور كذلك عبر الثقافة.

        ثقافة التقليد هي ثقافة الجماعة والإجماع، ثقافة الأمة، ثقافة تعتبر نفسها (ومن ثمة الأمة التي هي تعبير عنها) نموذجا ومثالا، وتعتبر كل تجديد بدعة وضلالا وخروجا عن إجماع الأمة. إنها ثقافة الصهر والانصهار المؤطرة لموقع الفرد ولدوره ولوعيه، لأحلامه ومتخيله حيث لا مجال لحرية أو لاستقلال الفرد.
ونحن في هذا العصر نشهد انتعاش ثقافة التقليد، ووعي التقليد بذاته، بل تسخيره للكثير من المعطيات التقنية والتنظيمية والثقافية للحداثة في صراعه ضد مظاهر التحديث.
افترض أن الثقافة التقليدية المنتعشة والمغتناة بمكاسب الحداثة تطور وظيفتها في الصهر والضبط والمراقبة والعقاب وذلك من خلال العديد من الآليات.

        1 . الأمثلة (Idéalisation ) والنمذجة للذات، ومقابلها شيطنة الآخر.
2
. الإجماع والتأكيد على وحدة الأمة التي هي كلية انصهارية لا تجتمع على ضلال. فالضلال فردي والصواب جماعي.
3
. التخوين على المستوى السياسي والتفكير على المستوى العقدي، والاتهام بالعمالة الحضارية على المستوى الثقافي والفكري.
4
. رفض التجديد والإبداع واعتباره بدعة وابتداعا أي خروجا عن الجادة وعن المحجة البيضاء التي لا يزيغ عناه إلا هالك ضال.
تحديد سقف واطئ لحرية الضمير أو الوعي أو حرية الاعتقاد. إذ لا يحق لأي كان المساءلة أو النقد.

        هذه البنية العقدية هي نواة الثقافة العربية بل إن هذه البنية تتحكم في كل البنيات الثقافية المشتقة وتوجهها. كمثال على ذلك نذكر بأن البنيات السياسية العصرية ذاتها، التي من المفترض أنها تنطلق من بنية فكرية مغايرة تقوم على مبدأ تعدد القيم والمرجعيات والرؤى، تعيد إلى درجة كبيرة إنتاج هذه البنية العقدية التقليدية حيث تفرض الأنظمة السياسية والأحزاب السياسية العصرية نوعا من الإجماع الداخلي، ولا تسمح بالاختلاف ولا بالتعبير الفردي الحر عن الرأي ولا تسمح حتى بوجود تيارات رأي داخل صفوفها، بل إن البنية التنظيمية لهذه الأحزاب تكاد تكون بنية قدسية تراتبية، وكثيرا ما تطغى اللغة الدينية ممثلة في مصطلحات الحلال والحرام في الخطاب السياسي الرسمي أو الحزبي.

        في تشريحه للبنية الفكرية للحداثة يبين هيجل أن "مبدأ العالم الحديث هو، بصفة عامة، حرية الذاتية" ويحلل هابرماس هذا المبدأ الهيجلي بإرجاع الذاتية إلى الحرية والفكر (Réflexion ) مستشهدا بقولة هيجل: "إن ما يشكل عظمة عصرنا هذا، هو الاعتراف بالحرية كخاصية أساسية للفكر الإنساني من حيث أن هذا الفكر هو في ذاته قريب من ذاته" مفككا إياها إلى عناصرها الأولية المتمثلة في:

        1 . الفردانية من حيث أنها تعني الفرادة الشخصية اللانهائية التي تكتسب الحق في تجويز مطالبها وحقوقها.
2
. الحق في النقد، أي في ألا يتقبل المرء إلا ما يبدو له مبررا، وبالتالي رفض ما يملى عليه قسرا من طرف التقليد.
3
. استقلالية الفعل بمعنى حق الفرد في الاختيار الواسع للأفعال والأفكار (Habermas : Discours philosophique de la modernité, Gallimard 1988, p.20 ) غير أن تولد الحرية وتبلور مقولتي الحرية والتفكير الشخصي غير الإملائي ليست مكتسبات سهلة المنال، بل هي معطيات عسيرة التبلور، لأنها رهينة بتحولات سوسيولوجية وبتحولات فكرية عميقة.

        تمثل فكرة الحرية واستقلالية الفرد عمليتين عسيرتين وطويلتي الأمد. ويتزايد عسر وعناء هذه العمليات عندما يتعلق الأمر بمجتمع لا يتطور ذاتيا وتلقائيا، بل بفعل قوى ومؤثرات خارجية يختلط فيها التحول بالرضة، وتعاش فيها الحداثة كصدمة وتفترن فيها صدمة الحداثة بصدمة الاستعمار مع ما يتولد عن ذلك من ردود فعل ذاتية وانبعاث قوى التقليد.

        فكرة الحرية الشخصية هاته لم يكن من اليسير تقبلها من طرف الثقافة العربية الحديثة، إذ فهمت الحرية الفردية على أنها مروق واستهتار وخروج عن المقدسات.
يعبر المؤرخ المغربي أحمد الناصري في مصنفاته حول تاريخ المغرب، في النصف الأول من القرن العشرين، عن تصور الفكر الإسلامي التقليدي لفكرة الحرية، وهو تصور سلبي تكاد الحرية فيه ترادف الزندقة والمروق والخروج عن الحدود حيث يقول "وأعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله، وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسا...". (أحمد الناصري: الاستقصا، الجزء التاسع، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1945
، ص 114 ).

        إن سيرورة التحديث التقني والتنظيمي المتعثر والبطيء التي شهدتها المجتمعات العربية منذ دخول الاستعمار كقوة مزدوجة الوظيفة: تحديثية واستعمارية، وكذا شظايا التفكير الحديث التي داهمت النخب العصرية، كلها تحولات توفر مبدئيا شروطا اجتماعية وقانونية وفكرية لانبثاق الفرد ككيان مستقل وحر وفاعل وواعي بذاته في هذه المجتمعات، إلا أن التثاقلات المختلفة والعوائق المختلفة سواء منها المفاعيل التعطيلية التي تمارسها البنيات التقليدية، أو تلك التي تستكملها الثقافة التقليدية المخضرمة قد عبئت للرد على كل مظاهر التحديث ومقاومتها في إطار فكر جموعي، بل إمبراطوري، يمارس دور الضبط والمراقبة والتهديد. وتلك كلها عوائق موضوعية تحول دون تيسير عملية الانبثاق الحر والتلقائي لذاتية الفرد رغم توافر العديد من الشروط.

(*) أستاذ الفلسفة الحديثة، كلية الآداب، الرباط.